سيد محمد طنطاوي

15

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( ومَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِه ) * معطوف على ما قبله ، ومؤكد لمضمونه . أي : ومن جاهد في طاعة اللَّه ، وفي سبيل إعلاء كلمته ، ونصرة دينه ، فإنما يعود ثواب جهاده ونفعه لنفسه لا لغيره . * ( إِنَّ اللَّه ) * - تعالى - * ( لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) * جميعا ، لأنه - سبحانه - لا تنفعه طاعة مطيع ، كما لا تضره معصية عاص ، وإنما لنفسه يعود ثواب المطيع وعليها يرجع عقاب المسئ . ثم وضح - سبحانه - ما أعده للمؤمنين الصادقين من ثواب جزيل فقال : * ( والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ . . . ) * أي : لنسترن عنهم سيئاتهم ، ولنزيلنها - بفضلنا وإحساننا - من صحائف أعمالهم . ثم بعد ذلك * ( ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ) * أي : ولنجزينهم بأحسن الجزاء على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها في الدنيا ، بأن نعطيهم على الحسنة عشر أمثالها . قال الجمل ما ملخصه : قوله : * ( والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . ) * يجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ، والخبر جملة القسم المحذوفة ، وجوابها أي : واللَّه لنكفرن . ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مضمر على الاشتغال . أي : ونخلص الذين آمنوا من سيئاتهم . . . وقال * ( أَحْسَنَ ) * لأنه سبحانه إذا جازاهم بالأحسن ، جازاهم بما هو دونه . فهو من التنبيه على الأدنى بالأعلى » « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن طاعة اللَّه - تعالى - يجب أن تقدم على كل طاعة ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 8 إلى 9 ] ووَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْه حُسْناً وإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 8 ) والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ( 9 )

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 368 .